الشيخ السبحاني

244

بحوث في الملل والنحل

القفرة ، والقبور التي اندرس أكثرها فتحوّلت إلى بيوت للحشرات ومأوى للديدان ، ولا يقف الأمر عند مقبرة النجف الأشرف ، بل تجد الأمر يتكرر في كلّ مدينة أو قرية ، حينئذٍ تنتابه الدهشة والذهول ، ويذعن من حيث يشعر أو لا يشعر أنّ مصير الجميع إلى الفناء ، ويعترف بعجز الإنسان الذاتي أمام التصدي إلى هذا المصير المحتوم الذي يبيد الجميع ويفني الكلّ ويزيل الملك ويسلب السلطان والسطوة . حينئذٍ يأخذ الإنسان في التفكير بمصيره وبما يؤول إليه ، وانّه لا بدّ أن يَعدّ العُدّة لمستقبله ويفكر في عاقبة أمره أمام هذا المصير المجهول ، ويُعدّ الزاد لهذا السفر الطويل والبلاء العظيم ، ويفكر في إعمار آخرته أكثر ممّا يفكر في إعمار دنياه الفانية ، وحينها يعود إلى التفكير في ذاته وأصل وجوده والهدف من خلقة الكون والعالم ، وبالنتيجة يعود إلى رشده ويرعوي عن غيّه ويفكّر في الحياة الخالدة التي تنتظره . انطلاقاً من هذا الدرس التربوي لزيارة القبور نجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وضع إصبعه على هذا الأمر الحسّاس ، وحثّ على زيارة القبور لما فيها من العبرة والاتّعاظ ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « زوروا القبور فإنّها تُذكّركم الآخرة » . « 1 » وفي حديث آخر له صلى الله عليه وآله وسلم قال : « زوروا القبور فإنّ لكم فيها عبرة » . « 2 » وقد صب الشاعر المرهف المعاصر المرحوم السيد صادق سرمد هذا

--> ( 1 ) . سنن ابن ماجة : 1 / 500 ، ح 1569 . ( 2 ) . كنز العمّال : 15 / 647 ، ح 42558 .